ابن خلدون
211
تاريخ ابن خلدون
الأكحل فقتله واستقل بملك الجزيرة إلى أن أخذت من يده ولما استبد ابن الثمنة بصقلية تزوج ميمونة بنت الجراس فتخيل له منها شئ فسقاها السم ثم تلافاها وأحضر الأطباء فأنعشوها وأفاقت فندم واعتذر فأظهرت له القبول واستأذنته في زيارة أخيها بقصريانة وأخبرت أخاها فحلف أن لا يردها ووقعت الفتنة وحشد ابن الثمنة فهزمه ابن جراس فانتصر ابن الثمنة بالروم وجاء القمص وجاز ابن ينقر بن خبرة ومعه سبعة من اخوته وجمع من الإفرنج ووعدهم بملك صقلية فداخل في بيع مية وقصد قصريانة وحكموا على مروا من المنازل وخرج ابن جراس فهزمه ورجع إلى إفريقية عمر بن خلف بن مكي فنزل تونس وولى قضاءها ولم يزل الروم يملكونها حتى لم يبق الا المعاقل وخرج ابن الجراس باهله وماله صلحا سنة أربع وستين وأربعمائة وتملكها رجار كلها وانقطعت كلمة الاسلام منها ودولة الكلبيين وهم عشرة ومدتهم خمس وتسعون سنة ومات رجار في قلعة مليطو من أرض فلورية سنة أربع وتسعين وولى ابنه رجار الثاني وطالت أيامه وله الف الشريف أبو عبد الله الإدريسي كتاب نزهة المشارق في أخبار الآفاق وسماه قصار رجار علما عليه معروفا به في الشهرة والله مقدر الليل والنهار [ الخبر عن جزيرة اقريطش وما كان بها للمسلمين من الملك على يد بنى البلوطي إلى أن استرجعها العدو ] هذه الجزيرة من جزر البحر الرومي ما بين صقلية قبرس في مقابلة الإسكندرية على يد الجالية أهل الربض وذلك أن أهل الربض الغربي من قرطبة وكان محلة متصلة بقصر الحكم بن هشام فنقموا عليه وثاروا به سنة ثنتين ومائتين فأوقع بهم الوقعة المشهورة واستلحمهم وهدم ديارهم ومساجدهم وأجلى الفل منهم إلى العدوة ونزلوا بفاس وغيرها وغرب آخرين إلى الإسكندرية فنزلوا وافترقوا في جوانبها وتلاحى رجل منهم مع جزار من سوقة الإسكندرية فنادوا بالثار واستلحموا كثيرا من أهل البلد وأخرجوا بقيتهم وامتنعوا بها وولوا عليهم أبا حفص عمر بن شعيب البلوطي ويعرف بأبي الفيض من أهل قرية مطروح من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة فقام برياستهم وكان على مصر يومئذ عبد الله بن طاهر فزحف إليهم وحصرهم بالإسكندرية فاستأمنوا له فأمنهم وبعثهم إلى جزيرة اقريطش فعمروها وأميرهم أبو حفص البلوطي وتداولها بنوه من بعده مدة من مائة وأربعين سنة إلى أن ملكها أريانوس بن قسطنطين ملك القسطنطينية من يد عبد العزيز بن شعيب من أعقابه سنة خمس وثلاثمائة وأخرجوا المسلمين عنها والله بعيد الكرة وبذهب آثار الكفرة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب